التنمية البشرية بين الواقع والمأمول

وكالة سوا الإخبارية كثر الحديث عن مصطلح التنمية البشرية. فما هي التنمية البشرية؟ هل التنمية البشرية علم أم مزيج من العلوم؟ ولماذا تكثر الدورات حول هذا المجال؟ كيف يمكن تحصيل مهارات القيادة والإدارة وغيرها؟ سأجيب عن هذه الأسئلة وأخرى غيرها من خلال المقال التالي.

آخر تعديل: 08-01-2017 الساعه: 10:10
http://www.palsawa.com/9f278a5e

عماد بشناق عماد بشناق

كثر الحديث عن مصطلح التنمية البشرية. فما هي التنمية البشرية؟ هل التنمية البشرية علم أم مزيج من العلوم؟ ولماذا تكثر الدورات حول هذا المجال؟ كيف يمكن تحصيل مهارات القيادة والإدارة وغيرها؟ سأجيب عن هذه الأسئلة وأخرى غيرها من خلال المقال التالي.

بدأت التنمية البشرية عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية، حين خرجت الدول المشاركة في الحرب مصدومةً من الكم الهائل من الدمار والخراب الذي لحق بالعالم. سعت هذه الدول لتحريك عجلة الاقتصاد من خلال إحداث تنمية اقتصادية. فكان لا بد من إصلاح الإنسان والتركيز على قدراته لينجح في تحقيق التنمية الاقتصادية، فمن هنا كانت التنمية البشرية والتي تركز على الطاقات البشرية لإحداث تغيير إيجابي ورفع الإنتاجية والدخل. من هنا تمثل التنمية البشرية أساس لتحقيق التنمية الاجتماعية والاقتصادية. بلغت التنمية البشرية أوجها في الثمانينيات. حيث عمِد المختصون إلى إلقاء الضوء على قصص نجاح المشاهير وتحليلها لمعرفة المهارات المشتركة بين هؤلاء الأشخاص التي جعلت منهم أشخاص ناجحين ومؤثرين.

التنمية البشرية ليس علماً، وليس لها لقب جامعي. عملياً، التنمية البشرية هي عملية توسيع القدرات التعليمية والقدرات الإنسانية والخبرات الفردية، حتى يصل الفرد إلى مستوى مرتفع من الإنتاج والدخل. إذن هي خليط من عدة علوم: علم الإدارة، علم القيادة، علم النفس والتجارب الحياتية. من هنا تأتي المغالطة عند الكثيرين بين التنمية البشرية وتنمية المهارات البشرية. فالتنمية البشرية تحوي تحتها المهارات البشرية الأخرى. فعندما نريد تنمية مهارة القيادة عند شخص ما علينا العودة للقيادة كعلم. وهو علم يَدرس في الجامعات، وتمنح فيه درجات الماجستير والدكتوراه، وتجري عليه الكثير من الأبحاث. كذلك الأمر بالنسبة للإدارة، فهو علم مستقل بذاته ويشمل العديد من المهارات كالتخطيط والتنظيم والتوجيه والرقابة. بناءًا على ما تقدم، يطلق على توليفة هذه العلوم والمهارات مصطلح التنمية البشرية.

 بدأ مصطلح التنمية البشرية يأخذ منحى سلبي بشكل خاص في الوطن العربي؛ لأن هناك عدد كبير من الأشخاص الذين يدخلون هذا المجال وكأنه "ترند" أو "عمل من لا عمل له". يعتقد الكثيرون أن التنمية البشرية هي عبارة عن "هراء منظم"، فهم يعتقدون أنها تتعامل بمصطلحات رنانة لا تمت للواقع بصلة، فهي تدعوهم "لإطلاق العملاق الذي بداخلهم" أو إلى "إيقاظ القوى الخفية" وما إلى ذلك، ولكن هم يقصرون التنمية البشرية في إطارها النظري فقط. فعند تعليم نظريات ومهارات التنمية البشرية، يجب أن يستند التدريب إلى مواد علمية ثم يتعرض المتدربون إلى التدريب العملي لإكسابهم هذه المهارات. من هنا، يمر التدريب بثلاث مراحل: إعطاء معلومات، تغيير قناعات، وإكساب مهارات. فلا بد من المرور بهذه المراحل ولا يصح قراءة بعض الكلمات من الكتب أو الفيديوهات المنتشرة على الإنترنت ثم نأتي ونملي على الآخرين ما يجب عليهم فعله. ومن هنا يتضح الفرق بين الفكر المغلوط السائد عن التنمية البشرية وبين الماهية الصحيحة للتنمية البشرية.

يمكن تلقين علوم التنمية البشرية من مصدرين أساسيين: الكتاب والندوات. وهذين المصدرين مكملين لبعضهما. أعني عند تعليم مهارات القيادة على سبيل المثال، لا يكفي القراءة من الكتاب، ولكن يجب اللجوء إلى المتخصصين في هذا المجال لتعلم المهارات العملية وتعزيزها، مثل الإلقاء والخطابة وما شابه.

من هنا كان لزاماً التفريق بين مصطلحين: التدريب الشخصي coaching، و التدريب training. أما التدريب الشخصي فيكون التدريب من المعلم إلى المتلقي، حيث يهدف المعلم إلى نقل المتلقي من نقطة إلى أخرى بإتباع عملية معينة، أما التدريب فهو تدريب المجموعات حيث يتلقى التدريب مجموعة مكونة من 20 إلى 30 شخص. فتدريب المجموعات له عالم خاص ويحتاج مهارات علمية وعملية ذات مستوى عالٍ. فالمغالطة التي تحصل هي لجوء بعض الأشخاص إلى التدريب الشخصي فقط. فعلى سبيل المثال، إذا أراد شخص أن يتعلم التدريب على مهارات الحياة life coaching وهي عملية التخطيط للحياة، وتحديد رؤية ورسالة واضحة، وهي نظريات يمكن  قراءتها من الكتاب، ولكن يصعب تطبيقها عملياً لأنها تحتاج إلى تدريب عملي يكتسبه المدرب من خلال مدرب آخر أكثر مهارة حتى يستطيع تعليمها للآخرين.

كثرت المسميات حول مناهج التدريب في التنمية البشرية، فأصبحنا نسمع عن المنهج الأمريكي والمنهج العربي. فالتنمية البشرية هي علم ليس له إطار أو مسميات محددة ننطلق منها. ومن هنا، أنا أقول أنه لا جدوى من هذه المسميات. ونحن في شركة آبيكس للتدريب والاستشارات نسعى لتصحيح هذه المصطلحات.

وأوجه نصيحتي للشباب الذين يريدون تطوير أنفسهم. فلا يكفي حضور ورشات مكثفة في جانب معين، لأنها غير كفيلة بإحداث تغيير جذري. فعندما يريد الفرد منَّا تطوير مهاراته، يجب أن يجلس مع نفسه ويحدد نقاط القوة ونقاط الضعف ويتعرض لمقاييس أنماط الشخصية والقدرات المشهورة، ثم يركز على نقاط القوة ويقويها ونقوم بتطوير نقاط الضعف المراد تقويتها. 

إيميل الكاتب: emad@apextac.net