بطلُ الحَرب

وكالة سوا الإخبارية لو لم أكنْ فلسطينياً لوددت أن أكونَ فلسطينياً مرةً ومليون مرة، فقد نادتنا الأرضُ ولبينا النداءَ، نحن جنودُ الأرضِ نزرعُ ونفلح فيها هي فلسطين الكرامة هي غزة العزة هي قدسُ الأقداس نغادرُها

آخر تعديل: 14-02-2017 الساعه: 15:20
http://www.palsawa.com/0d087d48

أشرف أبو خصيوان أشرف أبو خصيوان

لو لم أكنْ فلسطينياً لوددت أن أكونَ فلسطينياً مرةً ومليون مرة، فقد نادتنا الأرضُ ولبينا النداءَ، نحن جنودُ الأرضِ نزرعُ ونفلح فيها هي فلسطين الكرامة هي غزة العزة هي قدسُ الأقداس نغادرُها بأجسادنا وتبقى قلوبُنا وعقولُنا ترنو وتحنُ إليها كلما سمعنا اسمَها او شاهدنا علَمَها يرفرفُ في أيِّ مكان.

ليس لما سبق علاقةٌ بما يأتي ولكنه الحبُّ العذري لوطنٍ ولدت فيه وهو تحت الاحتلالِ ولا أريدُ الموت وهو تحت براثنِ الاحتلالِ أيضا، أكتبُ اليوم عن معايشةٍ لواقعِ مئاتِ المرضى في قطاعِ غزة الذين يعانون من أمراضِ الأوعيةِ الدموية وتصلبِ الشرايين وانسدادِها، وكيف أرهقت التحويلاتُ الطبيةُ والرفضُ والقَبولُ، والتصاريحُ والمعابر، هؤلاءِ المرضى الذين لا يجدون في غزةَ مركزاً طبياً مختصاً بجراحةِ الأوعيةِ الدموية يقدمُ لهم العلاجَ بشكلٍ كاملٍ للحفاظِ على أرواحِهم.

لقد نشطت وزارةُ الصحةِ الفلسطينيةِ في العامِ 2011 على افتتاحِ عددٍ كبيرٍ من التخصصاتِ والأقسامِ النوعيةِ في المستشفيات الفلسطينية وتم التأسيسُ لقسم جراحة القلب وافتتاحِ قسمٍ كبيرٍ في مستشفى غزة الأوروبي ضم طواقمَ طبيةً فلسطينيةً مهرةً ذات خبرات وقدرات بمواصفاتٍ عالمية وتم استدعاءُ عددٍ من الأطباءِ الفلسطينيين من ألمانيا وروسيا للعملِ في هذا القسمِ الكبيرِ الذي يفتخرُ ويعتزُ به الفلسطينيون لأنه خلال  العامِ الأول والثاني في جراحةِ الأوعيةِ الدمويةِ تم توفيرُ قرابة 2 مليون دولار بشكلٍ سنوي مع تقليصِ عددِ التحويلات الطبية إلي خارجِ قطاعِ غزة للنصفِ  وبعد ذلك تقلصت التحويلات في مجالِ الأوعية الدموية إلي ربعِ ما كانت عليه في عامِ 2011 ، حيث كان يقدرُ عددُ المرضى الذين يتم تحويلُهم إلي الخارج ب600 حالة سنويا ، حيث تبلغُ تكلفةُ"التحويلة الطبية" خارج قطاع غزة ميزانيةَ وزارة الصحة والسلطة الفلسطينية ما بين 17 إلي 30 ألف دولار وذلك لإجراءِ عمليةٍ على الشريان الابهر او الشريان السباتي أو عمليات على التشوهات الخلقية .

الدكتور والجراح محمد عبد المجيد كلوب 44 عاما، كان أحدَ الأطباءِ الذين تم استدعاؤهم من قبلِ وزارةِ الصحة الفلسطينية، وكان يعملُ في روسيا نائبَ رئيسِ مركزِ جراحةِ الأوعيةِ الدموية بمدينةِ "كراس نادار " الروسية حط رحاله في غزة في أول ابريل من العام 2011م، بعد أن حصل على شهادة البكالوريوس في عامِ 1997م ومن ثَم بدأ العملَ في تخصصِ جراحةِ القلبِوالأوعيةِ الدموية والجراحةِ الدقيقة، في العام 2001م، حصل الدكتور كلوب على درجةِالماجستير في جراحةِ القلبِوالأوعية الدموية ومن ثَم أكملَ دراستَه الدكتوراه في روسيا وحصل على الدكتوراه في تخصصِ "جراحةِ الشريان الأبهر عند كبار السن"، وأكمل دراسةَ الدكتوراه في دراسات تخصصية في جراحةِ الشرايين السباتية لتفادي الجلطاتِ الدماغية والجراحة الدقيقة لزراعةِ الأعضاء بطلبٍ من الأطباء الأكاديميين الروس " باكروفسكي ، الوخانيان ، كوخان "، في العام 2008 أنهى كلوب دراساتَه الأكاديميةَ بالحصولِ على شهادةٍ أكاديميةٍ عليا أخرى مع ترشيحِه لدرجةِ نيلِ لقب بروفسور " جراحة الشرايين السباتية والشريان الابهر " . وفي العامِ 2009 أصبح الدكتور كلوب  من مشاهير "روسيا" في طب وجراحةِالأوعيةِ الدموية.

 الطريق إلى غزة ليس سهلاً بل طريقٌ وعرٌ يحتاجُإلى تفكيرٍ عميقٍ قبل المغامرةِ بالتخلي عن الامتيازاتِ والحياةِ والرفاهيةِ والراتب المرتفع وجمالِ الحياةِ والطبيعةِ في روسيا، ولكنه الوطنُ ولكنها غزة التي تحتاجُإلى المساعدةِ في إعادةِ النظرِ بجراحةِ الأوعيةِ الدمويةِ وتكوينِ أرضيةٍ قويةٍ للنهوضِ بهذه الجراحةِ الصعبةِ والوصول بها إلي المستوى العالمي ، فقد قرر الدكتور كلوب العودةَ إلى غزة وبعد تفكيرٍ عميقٍ تاركا الانجازَ الكبيرَ الذي حققَه في روسيا.

غزة تختلفُ عن سواها هنا الصدامُ مع واقعِ وظروفِ قطاعِ غزة الصعب الذي يعيشُ قلةَ الإمكانياتِ في المعداتِ الطبية، ورغما عن ذلك عبر قنوات رابطة جراحي الأوعية الدموية الروسية والأوروبية تمكن كلوب ورفاقه من الحصولِ على بعضِ المعداتِ اللازمةِ للبدءِ بالعملِ الكبيرِ وتشغيلِ حجرات عمليات الأوعية الدموية  وتمكن في نهايةِ عام 2011 من إجراءِ سلسلةٍ من العملياتِ الضخمةِ التي لم يسبقْ لها مثيلٌ في تاريخِ جراحةِالأوعيةِ الدمويةِ في فلسطين وشملت عملياتُ زراعةِالأطرافِ العلوية والسفلية وعمليات على الشرايين وإصابات الشرايين السباتية.

 في العامِ 2012م، بعد المؤتمرِ الثاني لأمراضِ القلبِوالأوعيةِ الدموية وعد الدكتور كلوبأمام الجميعِ بأن يقدمَ في العامِ التالي سلسلةً من العملياتِ التي ستجرى لأولِ مرةٍ على مستوى فلسطين والشرقِالأوسط هنا في مستشفى غزة الأوروبي فقد تم إجراءُأولِ عمليةٍ جراحيةٍ على الشريان الابهر.

ومن ثَم إجراءُ أكبرِ العملياتِ الجراحيةِ لمريضٍ من عائلةِ أبوشعبان وقد تم تحويلُه لمستشفيات الخارج دون جدوى وتم زراعةُ ثلاثة شرايين فوق الشريان الكلوي من تفرعِ الشريان الابهر وتحت الشرايين الكلوية والى الساقين وحتى الركبة، وتم  إزالةُ شريانٍ كان قد أوصل من الصدرِإلي ساقيه، العمليةُ استمرت قرابة 9 ساعات وعرضت في المؤتمرِ الرابع لأمراضِ القلبِ والأوعية الدموية مع 30 عملية ًجراحيةً مختلفةً على الشريان الابهر والشرايين السباتية، في غزة رغم الألمِ والفقرِ والحرمانِ والحصارِ وانعدامِ وصولِ الأدواتِ الطبية والخيوطِ والمضادات الحيويةِ والأجهزةِ الطبية الحديثة وتأثيرِ انقطاعِ التيارِ الكهربائي على تلك الأجهزةِ إلا أننا نتحدثُ عن مئاتِ العملياتِ الجراحيةِ النوعية منها خمسُ عملياتٍ في مجالِ جراحةِ الشريان الصدري الابهري المنحني .

كيف يتم توفيرُ قرابةَ 3.5 مليون دولار سنويا مقارنته مع السنوات الماضية؟لقد بلغ عددُ العملياتِ الجراحيةِ في تخصصِ الأوعيةِ الدمويةِ في عام 2015م، قرابة 1000 عملية منها 640 عملية في مستشفى غزة الأوروبي وكان 40% من هذه العمليات "عمليات كبرى على جراحة الشرايين " ، في عام 2016م أجرى دكتور كلوب قرابةَ 420 عمليةً جراحية ًمع طاقمِه بنسبةِ هبوطٍ تقدرُ بالثلث مقارنته بالعام 2015 وذلك بسببِ نقصِ الإمكانياتِ وعدمِ توفرِ الأطباء المساعدين في هذا المجالِ وزيادةِ الضغطِ المادي الناتج عن عدمِ انتظامِ صرفِ رواتب العاملين في المجالِ الصحي والطبي في قطاعِ غزة وتدني رواتبهم .

في يناير 2014  ويناير 2015 تم إجراءُ قرابة ال50 عمليةً جراحيةً في حين بلغ عددُ العملياتِ الجراحية في يناير 2016م،  30 عمليةً ومعظمها متوسطة وصغرى والحالات الكبرى تم تحويلُها إلي المستشفيات خارجَ قطاعِ غزة لعدمِ توفرِ المستلزماتِ الطبية "كالشرايين المصنعة والخيوط الطبية والأدوات المستخدمة في جراحةِ الأوعيةِ الدموية ، إذ إنّ الكثيرَ منها يستخدمُ لمرةٍ واحدةٍ فقط، ولأولِ مرةٍ في تاريخ فلسطين وحتى دول الجوار تم إجراءُ سلسلةٍ من العمليات الجراحية الدقيقة جدا على القنوات "اللمفاوية" عند مرضى القصور اللمفاوي وبنتائج واضحة ومبهرة .

ورغم الصعوباتِ وكل المشاكل التي واجهت الطواقمَ الطبيةَ على مدارِ السنواتِ الماضية إلاأن طاقمَ جراحةِالأوعيةِ الدمويةِ في قطاعِ غزة لا زال يعاني نقصاً حاداً في الإمكانياتِ ولا يوجدُ حتى هذه اللحظةِ مركزا في القطاعِ يحتوي هذا الطاقم من أجل وقفِ كافة التحويلات في الخارجِ التي تتعلقُ بجراحةِ الأوعيةِ الدموية ولضمانِ تعليمِ الطاقم ضمن منظومةٍ ممنهجة في ظلِّ وجودِ مركزٍ متكاملٍ يدعمُ هذا التخصصَ .

حالةٌ فلسطينيةٌ نادرة فحبُه للجراحةِ دفعه للتخصصِ في هذا المجالِ خاصة أننانحن الفلسطينيين نعيشُ حروباُ متتاليةُ وهناك حاجةٌ ماسةٌ لهذا التخصصِ ، فمنذ أن قدم للعملِ في مستشفياتِ قطاعِ غزة ، لمس حاجةَ سكانِ القطاعِ لوجودِ هذا التخصصِخاصةً في وقتِ الحروبِ التي شنتها إسرائيل في وقتٍ سابقٍ على قطاعِ غزة، لقد تمكن الدكتور كلوب وطاقمُ العملِ معه من إنقاذِ المئات من الموتِ بسببِ سرعةِ التدخلِ ومعرفةِ المشاكلِ التي يعاني منها المرضى نتيجةَ القصف ونتائج الإصابات بالشظايا .

الدكتور كلوب موظفٌ في وزارةِ الصحةِ الفلسطينية شأنُه شأنُ ألافِ الموظفين في قطاعِ غزة حيث يتقاضى راتباً  يعادلُ 500 دولار أمريكي في ظلِ الأزمةِ الماليةِ وعدمِ انتظامِ صرفِ رواتبِ الموظفين في الوقتِ الذي كان يتقاضى راتباً يقدرُ ب 12 ألف دولار شهريا في روسيا.

في غزة نحن بحاجةٍ إلي مركزٍ طبي مختصٍ بالأوعيةِ الدمويةِ والآن يجري العملُ على تجهيزِ مركزٍ في مستشفى القدس ولكن يصعبُ تمويلُه وتشغيلُ طاقمٍ ثابت لعدمِ قدرةِ المستشفى على توفيرِ عقودِ عملٍ للطواقمِ الطبية  تدفعُ باتجاه تعزيزِ وجودِ هذا المركزِ في غزة.

في عام 20014 شنت إسرائيلُ حربا على السكان المحليين في قطاعِ غزة هذه الحرب خلفت قرابة ال2200 شهيد وعشرة آلاف جريح ، كان الدكتور كلوب وطاقمُه يعملُ " كالجوكر " متنقلا ما بين مستشفيات قطاعِ غزة من شمالِه حتى جنوبِه مخاطرا مغامرا متحديا كلَّ الظروفِ المحيطةِ به ، لا يكادُ ينامُ ساعةً حتى يستيقظَ على صوتِ مريضٍ بترت أطرافُه نتيجةَ القصفِ وآخر دخلت شظايا قذيفة دبابة إلى رقبتِه، كان ينامُ ومشرطُه في يدِه ، لم يعرفْ طعما للنومِ ولا للأكلِ خلال ال51 يوما ، يحدثني ويفيضُ دمعا من عينِه لقد أنقذت مئاتِ المصابين من براثين الموت إلا أنني لم أتمكنْ من إنقاذِ روح أختي التي استشهدت أمام عيني جراءَ إصابتِها بقذيفةٍ بترت ساقيها من الأعلى " إنها إرادةُ الله " تلك القذيفةُ اللعينةُ قسمت براءة طفلها "إبراهيم"إلى نصفين ، ورغم ذلك بقي كلوب صامدا واقفا يعملُ بلا مللٍ ، لم يكنْ لديه وقتٌ للبكاءِ على أختِهِ وابنِها لأن المصابَ شعبٌ بأكملِه ، شعبٌ ينزفٌ أمام عينيه ، ما انتهت الحرب ووضعت أوزارها ، حتى بدأ العمل من جديد مع المرضى الذين احتاجوا لعملياتٍ أخرى لاستكمالِ شفائِهم قدر المستطاع ووَفق الإمكانياتِ المتاحة، في احتفالٍ مهيب نظمته وزارةُ الصحةِ الفلسطينيةِ بعد الحربِ كرمت الدكتور الجراح البروفسور محمد كلوب وأهدته درعَ " بطل الحرب" .

يقول الدكتور كلوب " أعطوني مركزا طبيا مختصا بجراحةِ الأوعيةِ الدمويةِ في قطاعِ غزة وحولوا الحالات المرضية في الضفةِ الغربيةِ والشرقِ الأوسطِإلي قطاعِ غزة كي تجرى لهم العمليات الجراحية على يدِ طاقمٍ طبي فلسطيني برعَ في جراحةِ الشرايين والأوعيةِ الدموية " .